حيدر حب الله
486
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
* لعلّ هناك صيغةً أخرى أفضل من الصيغة المطروحة ، وهي أن يذهب الفقه الإسلامي ناحية الاعتقاد بأنّ تطبيق الشريعة اختيارٌ اجتماعي ، وليس قهريّاً ، فإذا أراد الناس تطبيقها طبّقناها ، وعندما يرفضونها نعزلها عن الحكم ، وندعو بالتي هي أحسن لها ، وبهذا نصل إلى أنّ شرعية ( تطبيق ) النظام الإسلامي - لا شرعية أصل النظام بوصفه منظومة إلهيّة - مقيّدةٌ بالانتخاب الشعبي والاختيار الجماهيري لهذا النظام حدوثاً وبقاءً ، فإذا اختاروه فقد اختاروا الحقّ ، وإذا رفضوه فقد رفضوا الحقّ ، لكن لا يمكن ممارسة الحقّ عليهم دون اختيار جماعي منهم ، فإذا اختاروا الإسلام نظاماً طبّقنا عليهم الإسلام ، فإذا عدلوا رفعناه ، وهذا معنى شرط الحدوث والبقاء . هذه الصيغة تحقّق الغرض وتكمّل طرح حاج حمد ؛ لأنّها لا تفرض على طول الخطّ علمانيّة الدولة ، إذا قصدنا من علمنتها عدم دخول الدين فيها مطلقاً ، بل تسمح بتديّن الدولة تديناً مشروطاً بإرادة الشعب . ولا يعني هذا أنّ الشعب يحدّد الحقّ من الباطل ، حتى نقول بأنّ الأكثرية ضالّة في العادة بحسب ثقافة النصوص الدينية ؛ لأنّ الموضوع ليس موضوع الحقّ والباطل ، لأنّ المفروض أنّنا نخطئ الأمّة عندما تختار غير الإسلام شرعاً ومنهاجاً ، فنحن لا نصحّح ما تذهب إليه الأمّة في هذه الحال ، غاية الأمر أنّنا نسعى للتغيير من منطلق القواعد التغييرية العادية والديمقراطية إذا صحّ التعبير ، فالموضوع مرتبط بشرعيّة القهر على تطبيق الشريعة ، لا بصواب الشريعة أو مرجعية الشعب في حقانيّتها وعدم حقانيتها ، بل في مرجعية الشعب في تقرير مصيره في الأخذ بها وعدم الأخذ بها ، متحمّلًا - أي الشعب - مسؤولية قراراته أمام الله تعالى . طبعاً هذا الطرح الذي قدّمه غير واحدٍ من العلماء يحتاج لتنظير فقهي موسّع ليس محلّه الآن .